فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو * ( اشتروا الضلالة ) * ( البقرة : 16 ) * ( ولا تنسوا الفضل ) * ( البقرة : 237 ) . المسألة الثانية : الكناية في قوله : * ( ما فعلوه ) * عائدة إلى القتل والخروج معا ، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء في قوله : * ( الا قليل ) * فقرأ ابن عامر * ( قليلا ) * بالنصب ، وكذا هو في مصاحب أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ، والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات ، فإن قولك : ما جاءني أحد كلام تام ، كما أن قولك : جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الإثبات فكذا مع النفي ، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في * ( فعلوه ) * وكذلك كل مستثنى من منفي ، كقولك : ما أتاني أحد إلا زيد ، برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد " إلا " على ما قبلها . وكذلك في النصب والجر ، كقولك : ما رأيت أحداً الا زيداً ، وما مررت بأحد إلا زيد . قال أبو علي الفارسي : الرفع أقيس ، فان معنى ما أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني الا زيد واحد ، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم : ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته . المسألة الثالثة : الضمير في قوله : * ( ولو أنا كتبنا عليهم ) * فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد انه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم ، فقال تعالى : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال . الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، وأما الضمير في قوله : * ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) * فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا ، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا ، فقال اليهودي : ان موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه ، فقال : يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي